أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

197

العقد الفريد

وقالوا : جهد المقلّ أفضل من غني المكثر . وقال صريع الغواني : ليس السّماح لمكثر في قومه * لكن لمقتر قومه المتحمّد لأبي هريرة في جعفر بن أبي طالب : وقال أبو هريرة : ما وددت أن أحدا ولدتني أمّه إلا أم جعفر بن أبي طالب ؛ تبعته ذات يوم وأنا جائع ، فلما بلغ الباب التفت فرآني ، فقال لي : ادخل ، فدخلت ؛ ففكّر حينا فما وجد في بيته شيئا إلا نحيا « 1 » كان فيه سمن مرّة ، فأنزله من رف لهم ، فشقّه بين أيدينا ، فجعلنا نلعق ما كان فيه من السمن والزيت ، وهو يقول : ما كلّف اللّه نفسا فوق طاقتها * ولا تجود يد إلّا بما تجد وقيل بعض الحكماء : من أجود الناس ؟ قال : من جاد من قلّة ، وصان وجه السائل عن المذلّة . وقال حماد عجرد : أورق بخير تؤمّل للجزيل فما * ترجى الثّمار إذا لم يورق العود إنّ الكريم ليخفي عنك عسرته * حتى تراه غنيا وهو مجهود بثّ النّوال ولا تمنعك قلّته * فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود « 2 » وللبخيل على أمواله علل * زرق العيون عليها أوجه سود وقال حاتم : أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله * ويخصب عندي والمحلّ جديب وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى * ولكنّما وجه الكريم خصيب

--> ( 1 ) النحي : الزق ، أو وعاء السمن . ( 2 ) بث النوال : انشره ، وأكثر من العطاء .